ابن تيميه

121

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

الحربي بالسلام « 1 » ، بل لما كتب النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم إلى قيصر قال فيه : « من محمد رسول اللّه إلى قيصر عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى » كما قال موسى لفرعون . والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم وسأله عن أحواله « 2 » . وقد نهى صلى اللّه عليه وسلّم عن ابتداء اليهود بالسلام ، فمن العلماء من حمل ذلك على العموم ، ومنهم من رخّص إذا كانت للمسلم إليه حاجة أن يبتدئه بالسلام ، بخلاف اللقاء ، والكفار كاليهودي والنصراني يسلّمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد ، وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته ، فاليهود والنصارى لا يصلون ويسلمون عليه ، وكانوا إذا رأوه يسلّمون عليه ، فذاك الذي يختص به المؤمنون ابتداء وجوابا أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداء وجوابا ، ولا يجوز أن يقال : إن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن اللّه يسلم عليهم عشرا ، فإنه يجيبهم على ذلك فيوفّيهم ، كما لو كان له دين فقضاه . وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلّوا عليه صلّى اللّه على من صلّى عليه عشرا وإذا سلّم عليه سلّم اللّه عليه عشرا ، وهذه الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان بالكتاب والسنة والإجماع ، بل هو مأمور به من اللّه سبحانه وتعالى ، لا فرق في هذا بين الغرباء وأهل المدينة عند القبر ، وأما السلام عند القبر فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه ، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيا لكانوا يفعلونه كلّما دخلوا المسجد وخرجوا منه ، كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه ، فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلّموا عليه ، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلّم عليهم إذا قدم وإذا قام كما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بذلك وقال : « ليست الأولى بأحق من الآخرة » « 3 » . فهو حين كان حيا كان أحدهم إذا أتى يسلم وإذا قام يسلم ، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين ، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة . ولو كان سلام التحية خارج الحجرة مستحبا ؛ لكان مستحبا لكل أحد ، ولهذا كان أكثر السلف لا يفرّقون بين الغرباء وأهل المدينة ، ولا بين حال السفر وغيره ، فإن استحباب هذا

--> ( 1 ) ولا الذّمي ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام . . الحديث » . وانظر « فتح السلام في أحكام السلام » ص 99 - 103 . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 2 / 230 ، 287 ، 439 ) وأبو داود ( 5208 ) والترمذي ( 2707 ) والنسائي في « عمل اليوم والليلة » ( 369 ) وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . قال الترمذي : « حديث حسن » . وحسنه الشيخ الألباني - رحمه اللّه - .